دكتور عبد العزيز الدوري

47

مقدمة في تاريخ صدر الإسلام

ووجه عناية خاصّة إلى تهذيب الأخلاق ، لأنها أساس النهضة وعماد الإصلاح . فأكد الوفاء ، والأمانة ، والصدق ، والمحافظة على العهد ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ومكافحة الظلم ، وتقديم مصلحة الأمة على المصلحة الفردية ، والرفق بالضعفاء ومساعدة المحتاجين . وعني بتقوية روح الجماعة حتى في شعائر الدين كما في الحثّ على صلاة الجماعة . وأدخل الرسول مبدأ التدرج في تشريعه ، واعترف بالتطور . وهذا خلاف المحافظة التي تستقر بها البدواة وتستند إليها ، وخلاف المصالح المتأصلة في مكة . ووردت الإشارة إلى ذلك في القرآن ففيه ناسخ ومنسوخ ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها « 2 » ، وبين أنّ الشرائع الإلهية واحدة في الأسس إلا أنها تختلف في التفاصيل والإسلام آخر مرحلة . وبذلك جعل في الإسلام حيوية وحركة مستمرة . وإنك لتلمس التدرج في دعوته ، فقد تدرجت من الأهل إلى العشيرة الأقربين ، إلى مكة والعرب ، إلى العالم . وفي الناحية السياسية ، لا نحس في مكة إلا أن أتباعه يسترشدون به في كل شيء ولا يعترفون لغيره بشأن ، فلما هاجر إلى المدينة بدأ بالمؤاخاة وهي أول تنظيم اجتماعي سياسي . ثمّ وضع « الكتاب » في المدينة بعد ثبات كيان الإسلام على أثر بدر وهو أول دستور شامل ينظم شؤون الأمة في المدينة . وكان الوضع بعد عام الوفود يتطلب تنظيما جديدا ، ولكن توالي الأحداث وعدم إكمال توحيد الجزيرة لم يفسحا للرسول المجال لتنظيم أمته في مرحلتها الجديدة من الناحية السياسية . جاء الإسلام وهو دعوة جديدة وحركة شاملة انتشرت ولكنها لم تعم الجزيرة ، ولم يمض عليها زمن كاف لأن تعمها . وهي إن انتشرت ، فإنّ دوافع من دخل فيها كانت مختلفة ، فبعضهم دخل لهداه وإيمانه ، وبعضهم لطمعه في الامتيازات ، وبعضهم قبلها خوفا من سلطانها . هذا والدعوات الجديدة تحتاج إلى زمن لتفهم ، كما أنّ القديم لا بدّ من أن يصارع الجديد صراعا يختلف قوة وأمدا بحسب الأوضاع ، قبل أن يضعف ويتلاشى . ولا بدّ من أن تظهر آثار ذلك الصراع في الحياة العامّة . وهذه ناحية أراها مغفلة في دراسة تاريخ الإسلام ، ولكنها بالغة الخطورة ، ولا إخالنا نفهم ذلك التاريخ من دون تفهمها ، بل أعتقد أنّ هذا الصراع كان من أهم العوامل في تطور التاريخ الإسلامي في فترة صدر الإسلام . وقد تمثّل القديم في التقاليد القبلية ، وتمثل الجديد في الدعوة الإسلامية .

--> ( 2 ) القرآن الكريم ، « سورة البقرة ، » الآية 106 .